352

Sharḥ Kitāb al-Siyāsa al-Sharʿiyya li-Ibn Taymiyya

شرح كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية

Publisher

مدار الوطن للنشر

Edition

الأولى

Publication Year

1427 AH

Publisher Location

الرياض

............................................................................................


= مخلوقاته؛ وأما غلاتهم كمعبد الجهني فإنه قال: إن الله لا يعلم فعل العبد حتى يقع، وهذا أقعد من حيث القاعدة؛ لأنه كيف يعلمه ثم يقع على غير مشيئته؛ ولهذا قال الشافعي رحمه الله: ((جادلوهم - أو قال - ناظروهم بالعلم - أي القدرية فإن أنكروا كفروا، وإن أقروا به خصموا))؛ أي: إن أنكروا العلم كفروا؛ لأنهم أنكروا ما كان معلومًا بالضرورة من دين الله، وإن قالوا: يعلم، فحينئذ يخصمون؛ لأنه يقال لهم: إذا كان الله يعلم فهل يقع ما شاءه العبد على خلاف معلومه أو على وفق معلومه؟ إن قالوا: على خلاف معلومه، أنكروا العلم فيكفرون، وإن قالوا على وفاق معلومه صار فاعلاً بمشيئة الله.

فهؤلاء القدرية ينكرون تعلق أفعال العبد بمشيئة الله وخلقه، ويقولون: الإنسان حر، كامل الحرية، يفعل ما يشاء بغير مشيئة الله، ويدع ما يشاء بغير مشيئة الله، وليس فعله مخلوقًا لله.

وعلى العكس من ذلك: الجبرية، يقولون: الإنسان لا يفعل شيئًا ولا يدع شيئًا إلا بمشيئة الله وبعلم الله، وهو - أي الإنسان - يترك بغير إرادة، فلا فرق عندهم بين من نزل من السقف مع الدرج رويداً رويداً، ومن دفع من أعلى الدرجة حتى لم يع إلا آخر الدرجة، يقولون: لا فرق، كلا الاثنين فعلا ذلك بغير اختيار منهما، مكرهان على ذلك؛ فلما قيل لهم: هذا خلاف المحسوس، وهذا يقتضي أن يكون الله ظالمًا للعبد إذا فعل المعصية وعذبه عليها، كيف يعذب العبد على ما لا اختيار له فيه؟ قالوا: سبحان الله! ما فيه ظلم، الظلم ممتنع على الله لذاته، لا لتنزه الله عنه؛ قالوا: لأن الظلم تصرف المتصرف في غير =

343