"بلقيس": ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، وهل أوتيت "بلقيس" من كل شيء في الدنيا أو حتى كل شيء في ناحيتها؟!! لا، وإنما أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك في مملكتهم، وهو أمر واضح كما ترى، ولو أن إنسانًا قال: قد حضر وليمة فلان كل الناس، إنما يفهم السامع أنه حضرها جميع المدعوين دون أن يتخلف أحد لديه "بطاقة" الدعوة.
وبعد: فلما خنقتهم الأدلة، وضايقهم أتباع السلف بالمناقشة حول النصوص التي وضعوها في غير موضعها، وأساؤوا فهمها، لجأوا إلى بيت شعر هزيل، لا مستند له، لشاعر نصراني "الأخطل" حيث يقول:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِل اللسانُ على الفؤاد دليلا
لجوء الغريق في السيل الجارف إلى كل ما تقع عليه يده أيًا كان نوعه، وهو يحاول أن يجد ما يتعلق به ليسلم من الغرق، وربما مد يده إلى ذلك "الزبد" الذي يعلو السيل، ويتجمع أحيانًا في بعض المنعطفات، فإذا ما وصلت يده إليه، لم يجده شيئًا، بل يتبعثر ويذهب مع الماء.
وبيت الأخطل كهذا الزبد أو هو كبيت العنكبوت ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ ٢ فالاستدلال به في غاية الفساد للأوجه التالية:
أولًا: أن المستدلين بهذا البيت قد ردوا، أو من أصولهم أن يردوا أحاديث نبوية مهما بلغت من الصحة، وتلقاها أهل العلم بالقبول، ما لم تبلغ حد التواتر، أو بلغت حد التواتر عند بعضهم بدعوى أنها أخبار آحاد، أو أدلة لفظية!! فكيف يستدلون بهذا البيت الذي يختلف أهل العلم في ثبوته؟!! وعلى فرض ثبوته فهل تواتر نقله؟!!
١ سورة النمل آية: ٢٣.
٢ سورة العنكبوت آية: ٤١.