345

Al-sīra al-nabawiyya bayna al-āthār al-marwiyya waʾl-āyāt al-qurʾāniyya

السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية

Regions
Egypt
المشركون عند حد في سوء تعاملهم مع النبي ﷺ والمؤمنين، فأخذوا في أسلوب آخر يواجهون به المؤمنين، ويثبطونهم به عن الدعوة إلى الله تعالى، وشغلهم بشحن نفوسهم بالضيق والحزن عن مواصلة البلاغ المبين، وفي ذلك يقول المولى ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَن اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال ذاكرًا لمزهم موبخًا لهم عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠].
وثبت من طرق صحيحة أن أشراف قريش اجتمعوا يومًا في الحجر يتذاكرون أمر الرسول ﷺ وما جاء به، وبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ليطوف بالبيت. فلما رأوه غمزوه ببعض القول ثلاث مرات، فقال لهم: «يا معشر قريش، أما والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح .....» (١)، وقد فزعوا من هذا الموقف.
وكان من سخريتهم كذلك واستهزائهم ما قص القرآن الكريم في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان: ٤١].
وقد مَرَّ ﷺ يومًا بجماعة من زعماء قريش فهمزوه، واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام: ١٠]. (٢)
وروى البخاري أن امرأة قالت للرسول ﷺ ساخرة مستهزأة: إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا

(١) أحمد، المسند، الفتح الباري (٢٠/ ٢١٩ - ٢٢٠)، وصحح شاكر إسناده، وابن أبى شيبة، المصنف (١٤/ ٢٩٧)، وابن اسحاق باسناد حسن، ابن هشام (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، وذكره الألبانى في صحيح السيرة (١٤٨ - ١٤٩).
(٢) ذكره ابن اسحاق، ابن هشام (٢/ ٤٢)، وذكره السيوطى في الدر المنثور (٣/ ٥).

1 / 355